فصل: قصة الساطرون صاحب الحضر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن

وقد ملكها سبعاً وعشرين سنة‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك، يقال له‏:‏ لخنيعة ينوف ذو شناتر، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان مع ذلك امرءاً فاسقاً يعمل عمل قوم لوط، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 206‏)‏

ثم يطلع من شربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده، قد أخذ مسواكاً فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه، حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان، وكان صبياً صغيراً حين قتل أخوه حسان، ثم شب غلاماً جميلاً وسيماً ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسوله، عرف ما يريد منه، فأخذ سكيناً جديداً لطيفاً فخبأه بين قدميه ونعله ثم أتاه‏.‏

فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله، ثم حزَّ رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها، ووضع مسواكه في فيه، ثم خرج على الناس، فقالوا له‏:‏ ذا نواس أرطب أم يباس‏؟‏ فقال‏:‏ سل نحماس استرطبان ذو نواس، استرطبان لا بأس، فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع، فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا‏:‏ ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث‏.‏

فملكوه عليهم، واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير وتسمى يوسف، فأقام في ملكه زماناً، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل أهل فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأس يقال له‏:‏ عبد الله بن الثامر‏.‏

ثم ذكر ابن إسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى، وأن ذلك كان على يدي رجل يقال له‏:‏ فيميون، كان من عُبَّاد النصارى بأطراف الشام، وكان مجاب الدعوة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 207‏)‏

وصحبه رجل يقال له صالح، فكان يتعبدان يوم الأحد، ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء، وكان يدعوا للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون، ثم استأسره وصاحبه بعض الأعراب فباعوهما بنجران، فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه في الليل، يمتلي عليه البيت نوراً فأعجبه ذلك من أمره‏.‏

وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة لها عيد كل سنة، يعلقون عليها حُليّ نسائهم ويعكفون عندها، فقال فيميون لسيده‏:‏ أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

فجمع له أهل نجران، وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها، فأرسل الله عليها قاصفاً فجعفها من أصلها، ورماها إلى الأرض، فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية، وحملهم على شريعة الإنجيل، حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب‏.‏

ثم ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون، وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخدَّ لهم الأُخدود‏.‏

وقال ابن هشام‏:‏ وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق، وأجج فيه النار وحرقهم بها، وقتل آخرين حتى قتل قريباً من عشرين ألفاً، كما قدمنا ذلك مبسوطاً في أخبار بني إسرائيل، وكما هو مستقصى في تفسير سورة ‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ‏}‏ من كتابنا التفسير، ولله الحمد‏.‏

 خروج الملك باليمن من حمير إلى الحبشة السودان

كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان، وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال له‏:‏ دوس ذو ثعلبان على فرس له، فسلك الرمل فأعجزهم، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم، فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، وذلك لأنه نصراني على دينهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 208‏)‏

فقال له‏:‏ بعدت بلادك منا، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك‏.‏ فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره‏.‏

فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر، فبعث معه سبعين ألفاً من الحبشة، وأمر عليهم رجلاً منهم، يقال له‏:‏ أرياط، ومعه في جنده أبرهة الأشرم، فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس، وسار إليه ذو نواس في حمير، ومن أطاعه من قبائل اليمن‏.‏

فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه، وجَّه فرسه في البحر، ثم ضربه فدخل فيه، فخاض به ضحضاح البحر، حتى أفضى به إلى غمرة، فأدخله فيها فكان آخر العهد به، ودخل أرياط اليمن وملكها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 209‏)‏ ‏[‏كلها هوامش‏]‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 210‏)‏

وقد ذكر ابن إسحاق هاهنا، أشعاراً للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة، وفيها فصاحة، وحلاوة، وبلاغة، وطلاوة، ولكن تركنا إيرادها خشية الإطالة، وخوف الملالة، وبالله المستعان‏.‏

 خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما

قال ابن إسحاق‏:‏ فأقام أرياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعة أبرهة الحبشي - و كان في جنده - حتى تفرقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كل منهما طائفة منهم، ثم سار أحدهما إلى الآخر‏.‏

فلمَّا تقارب الناس، أرسل أبرهة إلى أرياط‏:‏ إنك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض، حتى تفنيها شيئاً شيئاً، فأبرز لي وأبرز لك، فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده، فأرسل إليه أرياط‏:‏ أنصفت‏.‏

فخرج إليه أبرهة وكان رجلاً قصيراً لحيماً حادراً، وكان ذا دين في النصرانية، وخرج إليه أرياط وكان رجلاً جميلاً عظيماً طويلاً وفي يده حربة له، وخلف أبرهة غلام - يقال له عتودة - يمنع ظهره، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه، فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمى أبرهة الأشرم‏.‏

وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وودى أبرهة أرياط، فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن غضب غضباً شديداً على أبرهة، وقال‏:‏ عدا على أميري فقتله بغير أمري، ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته، فحلق أبرهة رأسه وملأ جراباً من تراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشي، ثم كتب إليه‏:‏

أيها الملك‏:‏ إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة، واضبط لها وأسوس منه، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك، وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه فيَّ‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 211‏)‏

فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه، وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري، فأقام أبرهة باليمن‏.‏

 سبب قصر أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة

{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏}‏ ‏[‏الفيل‏:‏1-5‏]‏‏.‏

قيل‏:‏ أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان، الذي قتل الضحاك، قاله‏:‏ الطبري، وهو أول من اتخذ للخيل السرج‏.‏

وأما أول من سخر الخيل وركبها‏:‏ فطهمورث، وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا‏.‏

ويقال‏:‏ إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب، والله تعالى أعلم‏.‏

ويقال‏:‏ إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر، وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى، فنفرت الفيلة‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء، كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، وكتب إلى النجاشي‏:‏ إني قد بنيت لك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب‏.‏

فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة، وسخرهم فيها أنواعاً من السخر‏.‏ وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة، وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاماً، وأحجاراً، وأمتعة عظيمة، وركب فيها صلباناً من ذهب وفضة، وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس، وجعل ارتفاعها عظيماً جداً، واتساعها باهراً‏.‏

فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة، كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها وأمتعتها، أصابته الجن بسوء، وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين‏:‏ كعيب وامرأته، وكان طول كل منهما ستون ذراعاً، فتركها أهل اليمن على حالها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 212‏)‏

فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس، فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم، فنقضوها حجراً حجراً، ودرست آثارها إلى يومنا هذا‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي، غضب رجل من النسأة من كنانة، الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم، كما قررنا ذلك عند قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 37‏]‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيها، أي أحدث حيث لا يراه أحد، ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك، فقال‏:‏ من صنع هذا‏؟‏

فقيل له‏:‏ صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا‏.‏ فغضب فجاء فقعد فيها، أي‏:‏ أنه ليس لذلك بأهل‏.‏

فغضب أبرهة عند ذلك وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت، ثم سار وخرج معه بالفيل، وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقاً عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام‏.‏

فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر‏.‏ فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، وما يريده من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نقر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر، فأتي به أسيراً‏.‏ فلما أراد قتله قال له ذو نفر‏:‏ يا أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من القتل‏.‏ فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق‏.‏

وكان أبرهة رجلاً حليماً، ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي، في قبيلتي خثعم، وهما شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيراً فأتى به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 213‏)‏

فلما همَّ بقتله قال له نفيل‏:‏ أيها الملك لا تقتلني فأني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهس - بالسمع والطاعة، فخلى سبيله‏.‏

وخرج به معه يدله، حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف، فقالوا له‏:‏ أيها الملك إنما نحن عبيدك، سامعون لك، مطيعون ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ واللات بيت لهم بالطائف، كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة‏.‏ قال‏:‏ فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس‏.‏ فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس‏.‏

وقد تقدم في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلاً منهم، وكان يمتنع بالحرم، فلما خرج منه، أصابه حجر فقتله، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه‏:‏

‏(‏‏(‏وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب‏)‏‏)‏‏.‏

فحفروا فوجدوهما‏.‏

قال‏:‏ وهو أبو ثقيف‏.‏

قلت‏:‏ والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن إسحاق؛ أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى، ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضاً، والله أعلم‏.‏ وقد قال جرير‏:‏

إذا مات الفرزدق فارجموه * كرجمكم لقبر أبي رُغال

الظاهر أنه الثاني‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلما نزل أبرهة بالمغمس، بعث رجلاً من الحبشة يقال له‏:‏ الأسود بن مفصود، على خيل له حتى انتهى إلى مكة‏.‏ فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم - وهو يومئذ كبير قريش وسيدها - فهمَّت قريش وكنانة وهذيل، ومن كان بذلك الحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 214‏)‏

وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له‏:‏ سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له‏:‏ إن الملك يقول‏:‏ إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربي فائتني به‏.‏

فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له‏:‏ عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب‏:‏ والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته، وإن يخل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة‏:‏ فانطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك‏.‏

فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر، وكان له صديقاً، حتى دخل عليه وهو في محبسه، فقال له‏:‏ يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا‏؟‏

فقال له ذو نفر‏:‏ وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدواً أو عشياً‏؟‏ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيساً سائس الفيل صديق لي‏.‏ فسأرسل إليه، وأوصيه بك وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال‏:‏ حسبي‏.‏

فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له‏:‏ إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة، يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت‏.‏ قال‏:‏ أفعل‏.‏

فكلم أنيس أبرهة، فقال له‏:‏ أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، فائذن له عليك فليكلمك في حاجته و أحسن إليه‏.‏ فأذن له أبرهة‏.‏

قال‏:‏ وكان عبد المطلب أوسم الناس، وأعظمهم، وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جانبه، ثم قال لترجمانه‏:‏ قل له حاجتك‏؟‏ فقال له ذلك الترجمان‏.‏

فقال‏:‏ حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي، فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه‏:‏ قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني؛ أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه‏؟‏

فقال له عبد المطلب‏:‏ إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، فقال‏:‏ ما كان ليمتنع مني‏.‏ قال‏:‏ أنت وذاك‏.‏ فرد على عبد المطلب إبله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 215‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بني بكر، وخويلد بن وائلة سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك، فالله أعلم أكان ذلك أم لا‏.‏

فلما انصرفوا عنه، انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرز في رؤوس الجبال، خوفاً عليهم من معرة الجيش‏.‏

ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده‏.‏ وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة‏:‏

لا هم إن العبد يمنع * رحله فامنع رحالك

لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك

إن كنت تاركهم * وقبلتنا فأمر ما بدا لك

قال ابن هشام‏:‏ هذا ما صح له منها‏.‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبى جيشه، وكان اسم الفيل‏:‏ محموداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 216‏)‏

فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال‏:‏ ابرك محمود، وارجع راشداً من حيث أتيت، فإنك في بلد الله الحرام‏.‏ وأرسل أُذنه فبرك الفيل‏.‏

قال السهيلي‏:‏ أي سقط إلى الأرض، وليس من شأن الفيلة أن تبرك، وقد قيل‏:‏ إن منها ما يبرك كالبعير، فالله أعلم‏.‏

وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فادخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجوه إلى مكة فبرك‏.‏

وأرسل الله عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها‏:‏ حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحداً إلا هلك، وليس كلهم أصابت‏.‏

وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل في ذلك‏:‏

ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الإصباح عينا

ردينة لو رأيت فلا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا

إذا لعذرتني وحمدت أمري * ولم تاسي على ما فات بينا

حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا

وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا

قال ابن إسحاق‏:‏ فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل‏.‏ وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمت قيحاً ودماً حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 217‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ‏}‏ ‏[‏الفيل‏:‏ 1-5‏]‏‏.‏

ثم شرع ابن إسحاق، وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها، وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وله الحمد والمنة‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ الأبابيل الجماعات، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه‏.‏ قال‏:‏ وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي، وأبو عبيدة أنه عند العرب‏:‏ الشديد الصلب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 218‏)‏

قال‏:‏ وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وأنها سنج وجل، فالسنج الحجر، والجل الطين‏.‏ يقول‏:‏ الحجارة من هذين الجنسين الجر والطين‏.‏ قال‏:‏ والعصف ورق الزرع الذي لم يقصب‏.‏

وقال الكسائي‏:‏ سمعت بعض النحويين يقول‏:‏ واحد الأبابيل أبيل‏.‏

وقال كثيرون من السلف‏:‏ الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ كان لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب‏.‏

وعن عكرمة‏:‏ كانت رؤوسها كرؤوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضراً‏.‏

وقال عبيد بن عمير‏:‏ كانت سوداً بحرية في مناقيرها وأكفها الحجارة‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ كانت أشكالها كعنقاء مغرب‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان، ومنها ما هو كالإبل‏.‏ وهكذا ذكره يونس بن بكير، عن ابن إسحاق‏.‏ وقيل‏:‏ كانت صغاراً والله أعلم‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير قال‏:‏ لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيراً أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار‏:‏ حجرين في رجليه، وحجراً في منقاره‏.‏

قال‏:‏ فجاءت حتى صفت على رؤوسهم‏.‏ ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحاً شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعاً‏.‏

وقد تقدم أن ابن إسحاق قال‏:‏ وليس كلهم أصابته الحجارة - يعني بل رجع منهم راجعون إلى اليمن - حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال، وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة، فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره، فمات لعنه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 219‏)‏

وروى ابن إسحاق قال‏:‏ حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن سمرة، عن عائشة قالت‏:‏ لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان، وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيساً، فأما قائده فلم يسم، والله أعلم‏.‏

وذكر النقاش في تفسيره‏:‏ أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر، قال السهيلي‏:‏ وكانت قصة الفيل أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين‏.‏

قلت‏:‏ وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور، وقيل‏:‏ كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة‏.‏

ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الذي يريد أن يشرفه ويعظمه، ويطهره، ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه، وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة‏.‏

ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش، وإنما كان النصر للبيت الحرام وإرهاصاً وتوطئه لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعري السهمي‏:‏

تنكلوا عن بطن مكة إنها * كانت قديماً لا يرام حريمها

لم تخلق الشعرى ليالي حرمت * إذ لا عزيز من الأنام يرومها

سائل أمير الحبش عنها ما رأى * فلسوف ينبي الجاهلين عليمها

ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الأياب سقيمها

كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها

ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 220‏)‏

ومن صنعه يوم فيل الحبوش * إذ كلما بعثوه رزم

محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم

وقد جعلوا سوطه مغولاً * إذا يمموه قفاه كلم

فولى وأدبر أدراجه * وقد باء بالظلم من كان ثم

فأرسل من فوقهم حاصبا * فلفهم مثل لف القزم

تحض على الصبر أحبارهم * وقد ثأجوا كثؤاج الغنم

ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال‏:‏ ابن هشام ويروى لأمية بن أبي الصلت

إن آيات ربنا ثاقبات * ما يمارى فيهن إلا الكفور

خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور

ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور

حبس الفيل بالمغمس حتى * صار يحبو كأنه معقور

لازماً حلقة الجران كما قد * من صخر كبكب محدور

حوله من ملوك كندة أبطال * ملاويث في الحروب صقور

خلفوه ثم ابذعروا جميعا * كلهم عظم ساقه مكسور

كل دين يوم القيامة عند الله * إلا دين الحنيفة بور

ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت أيضاً‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 221‏)‏

فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا *بأركان هذا البيت بين الأخاشب

فعندكم منه بلاء مصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب

كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رؤس المناقب

فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب

فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب

ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء‏:‏

كاده الأشرم الذي جاء بالفيل * فولى وجيشه مهزوم

واستهلت عليهم الطير بالجندل * حتى كأنه مرجوم

ذاك من يغزه من الناس يرجع * وهو فل من الجيوش ذميم

قال ابن إسحاق وغيره‏:‏ فلما هلك أبرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة وهو آخر ملوكهم، وهو الذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان كما سيأتي بيانه‏.‏

وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين، وهو الثاني إسكندر بن فلبس المقدوني الذي يؤرخ له الروم، ولما هلك أبرهة وابناه وزال ملك الحبشة عن اليمن، هجر القليس الذي كان بناه أبرهة وأراد صرف حج العرب إليه لجهله وقلة عقله، وأصبح يباباً لا أنيس له‏.‏

وكان قد بناه على صنمين وهما كعيب وامرأته، وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعاً في السماء، وكانا مصحوبين من الجان، ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس وأمتعته إلا أصابوه بسوء، فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بني العباس‏.‏

فذكر له أمره وما فيه من الأمتعة والرخام الذي كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن، فبعث إليه من خربه حجراً حجراً، وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل، هكذا ذكره السهيلي، والله أعلم‏.‏

 خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن

قال محمد بن إسحاق رحمه الله‏:‏ فلما هلك أبرهة ملك الحبشة يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة، قال‏:‏ فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري، وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج وهو حمير بن سبأ‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 222‏)‏

وكان سيف يكنى أبا مرة، حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو، ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن، فلم يشكه ولم يجد عنده شيئاً مما يريد‏.‏

فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان‏:‏ إن لي على كسرى وفادة في كل عام، فأقم عندي حتى يكون ذلك، ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى، وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القنقل العظيم فيما يزعمون، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة، معلقاً بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك‏.‏

وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر عليه بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له، فلما دخل عليه سيف طأطأ رأسه، فقال الملك‏:‏ إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطئ رأسه، فقيل ذلك لسيف فقال‏:‏ إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء‏.‏

ثم قال‏:‏ أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة، قال كسرى‏:‏ أي الأغربة الحبشة أم السند‏؟‏ قال‏:‏ بل الحبشة، فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك‏.‏

فقال له كسرى‏:‏ بعدت بلادك مع قلة خيرها، فلم أكن لأورط جيشاً من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف، وكساه كسوة حسنة، فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس، فبلغ ذلك الملك فقال‏:‏ إن لهذا لشأناً‏.‏

ثم بعث إليه فقال‏:‏ عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس‏؟‏ قال‏:‏ وما أصنع بحباك ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها مما رأى من زهادته فيها إنما جئت الملك ليمنعني من الظلم ويدفع عني الذل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 223‏)‏

فجمع كسرى مرازبته فقال لهم‏:‏ ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له‏؟‏ فقال قائل‏:‏ أيها الملك إن في سجونك رجالاً قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكاً أزددته، فبعث معه كسرى من كان في سجونه، وكانوا ثمانمائة رجل، واستعمل عليهم وهرز كان ذا سن فيهم، وأفضلهم حسباً وبيتاً، فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان، ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن، فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له‏:‏ رجلي ورجلك حتى نموت جميعاً أو نظفر جميعاً‏.‏

فقال له وهرز‏:‏ أنصفت، وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم، فقتل ابن وهرز، فزاده ذلك حنقاً عليهم، فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز‏:‏ أروني ملكهم، فقالوا له‏:‏ أترى رجلاً على الفيل عاقداً تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

قالوا‏:‏ ذلك ملكهم، فقال‏:‏ اتركوه‏.‏

قال‏:‏ فوقفوا طويلاً ثم قال‏:‏ علام هو‏؟‏

قالوا‏:‏ قد تحول على الفرس‏.‏

قال‏:‏ اتركوه‏.‏ فتركوه طويلاً، ثم قال‏:‏ علام هو‏؟‏

قالوا‏:‏ على البغلة‏.‏

قال وهرز‏:‏ بنت الحمار ذل وذل ملكه، إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاهوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم، ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها، وأمر بحاجبيه فعصبا له‏.‏

ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه، وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه، ونكس عن دابته، واستدارت الحبشة ولاثت به، وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه‏.‏

وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال‏:‏ لا تدخل رايتي منكسة أبداً اهدموا هذا الباب، فهدم ثم دخلها ناصباً رايته، فقال سيف بن ذي يزن الحميري‏:‏

يظن الناس بالملكين * أنهما قد التأما

ومن يسمع بلأ مهما * فإن الخطب قد فقما

قتلنا القيل مسروقا * وروينا الكثيب دما

وإن القيل قيل الناس * وهرز مقسم قسما

يذوق مشعشعا حتى * نفيء السبي والنعما

‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 224‏)‏

ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه، فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم، فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما يعلم من أمره، وسيأتي ذلك مفصلاً في باب البشارات به عليه الصلاة والسلام‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي قال‏:‏ ابن هشام، ويروى لأمية بن أبي الصلت‏:‏

ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن * ريّم في البحر للأعداء أحوالا

يمم قيصرا لما حان رحلته * فلم يجد عنده بعض الذي سالا

ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة * من السنين يهين النفس والمالا

حتى أتى ببني الأحرار يحملهم * إنك عمري لقد أسرعت قلقالا

لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن أرى لهم في الناس أمثالا

غلباً مرازبة بيضاً أساورة * أسداً تربب في الغيضات أشبالا

يرمون عن سدف كأنها غبط * بزمخر يعجل المرميَّ إعجالا

أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الأرض فُلاّلا

فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان دارا منك محلالا

واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيباً بماء فعادا بعد أبوالا

يقال - إن غمدان - قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان، وملكه بعده، واحتله وائلة بن حمير بن سبأ، ويقال‏:‏ كان ارتفاعه عشرين طبقة، فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 225‏)‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال عدي بن زيد الحميري، وكان أحد بني تميم‏:‏

ما بعد صنعاء كان يعمرها * ولاة ملك جزل مواهبها

رفعها من بني لذي قزع المزن * وتندى مسكاً محاربها

محفوقة بالجبال دون عرى الكائد * ما يرتقى غواربها

يأنس فيها صوت النهام إذا * جاوبها بالعشى قاصبها

ساقت إليها الأسباب جند بني * الأحرار فرسانها مواكبها

وفوزت بالبغال توسق بالحتف * وتسعى بها توالبها

حتى يراها الأقوال من طرف المنقل * مخضرة كتائبها

يوم ينادون آل بربر واليكسوم * لا يفلحن هاربها

فكان يوماً باقي الحديث وزالت * أمة ثابت مراتبها

وبدل الهيج بالزرافة والأيام * خون جم عجائبها

بعد بني تبع نخاورة * قد اطمأنت بها مرازبها

قال ابن هشام‏:‏ وهذا الذي عنى سطيح بقوله‏:‏ يليه إرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن، والذي عنى شق بقوله‏:‏ غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وأقام وهرز والفرس باليمن، فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم‏.‏

وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة، وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة‏:‏ أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة‏.‏

 ما آل إليه أمر الفرس باليمن

قال ابن هشام‏:‏ ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن، ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان ثم مات فأمر ابن التينجان، ثم عزله عن اليمن، وأمر عليها باذان وفي زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 226‏)‏

قال ابن هشام‏:‏ فبلغني عن الزهري أنه قال‏:‏ كتب كسرى إلى باذان أنه بلغني أن رجلاً من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي، فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه، فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا، فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر، وقال‏:‏ إن كان نبياً فسيكون ما قال، فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ على يدي ابنه شيرويه، قلت‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ بنوه تمالؤوا على قتله‏.‏ وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنو شروان بن قباز، وهو الذي غلبت الروم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 1-3‏]‏ كما سيأتي بيانه‏.‏

قال السهيلي‏:‏ وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع من الهجرة‏.‏ وكان والله أعلم لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فغضب ومزق كتابه، كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال‏.‏

وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسول باذان‏:‏

‏(‏‏(‏إن ربي قد قتل الليلة ربك‏)‏‏)‏‏.‏

فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل تلك الليلة بعينها، قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعد ما خلعوه وولوا ابنه شيرويه، فلم يعش بعد قتله أباه إلا ستة أشهر أو دونها، وفي هذا يقول خالد بن حق الشيباني‏:‏

وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام

تمخضت المنون له بيوم * ألا ولكل حاملة تمام

قال الزهري‏:‏ فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت الرسل‏:‏ إلى من نحن يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ أنتم منا وإلينا أهل البيت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 227‏)‏

قال الزهري‏:‏ ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏‏(‏سلمان منا أهل البيت‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولهذا بعث الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير، ودعوتهم إلى الله عز وجل، فبعث أولاً خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب، ثم أتبعهما أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، ودانت اليمن وأهلها للإسلام، ومات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان، وهو الذي قتله الأسود العنسي حين تنبأ، وأخذ زوجته كما سيأتي بيانه‏.‏

وأجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قتل الأسود عادت اليد الإسلامية عليها‏.‏

وقال ابن هشام‏:‏ وهذا هو الذي عنى به سطيح بقوله‏:‏ نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي، والذي عنى شق بقوله‏:‏ بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وكان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور، كتب بالزمان الأول، لمن ملك ذمار‏؟‏ الحمير الأخيار، لمن ملك ذمار، للحبشة الأشرار، لمن ملك ذمار‏؟‏ لفارس الأحرار، لمن ملك ذمار‏؟‏ لقريش التجار‏.‏

وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي‏:‏

حين شدت ذمار قيل لمن أنت * فقالت لحمير الأخيار

ثم سينت من بعد ذاك فقالت * أنا للحبش أخبث الأشرار

ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت * فقالت لفارس الأحرار

ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت * فقالت إلى قريش التجار

ويقال‏:‏ إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق وجد مكتوباً عند قبر هود عليه السلام، حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن، وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار، أخي عمرو ذي الأذعار بن ذي المنار‏.‏

ويقال‏:‏ كان مكتوباً على قبر هود أيضاً، وهو من كلامه عليه السلام، حكاه السهيلي، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 228‏)‏

 قصة الساطرون صاحب الحضر

وقد ذكر قصته هاهنا عبد الملك بن هشام لأجل ما قاله بعض علماء النسب‏:‏ إن النعمان بن المنذر الذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه، وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه، إنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر، وقد قدمنا عن ابن إسحاق‏:‏ إن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر، وأنه روى عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قيصر بن معد بن عدنان‏.‏

فهذه ثلاثة أقوال في نسبه، فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر‏.‏

والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك - وهو الساطرون - على حافة الفرات، وهو منيف مرتفع البناء، واسع الرحبة والفناء، دوره بقدر مدينة عظيمة، وهو في غاية الإحكام والبهاء والحسن والسناء، وإليه يجبي ما حوله من الأقطار والأرجاء‏.‏

واسم الساطرون‏:‏ الضيزن بن معاوية بن عبيد بن أجرم من بني سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة، كذا نسبه ابن الكلبي‏.‏

وقال غيره‏:‏ كان من الجرامقة، وكان أحد ملوك الطوائف، وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم، وكان حصنه بين دجلة والفرات‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ وكان كسرى سابور ذو الأكتاف، غزا الساطرون ملك الحضر‏.‏

وقال غير ابن هشام‏:‏ إنما الذي غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، أذل ملوك الطوائف، ورد الملك إلى الأكاسرة‏.‏

وأما سابور ذو الأكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل، والله أعلم، ذكره السهيلي‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ فحصره سنتين، وقال غيره‏:‏ أربع سنين‏.‏ وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق، فأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، وكان جميلاً، فدست إليه أتتزوجني إن فتحت لك باب الحضر‏؟‏

فقال‏:‏ نعم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 229‏)‏

فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر، وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه، وبعثت بها مع مولى لها، ففتح الباب، ويقال‏:‏ بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع، فولجوا منه إلى الحضر‏.‏

ويقال‏:‏ بل دلتهم على طلسم كان في الحضر، وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم، فيفتح الباب، ففعل ذلك فانفتح الباب‏.‏

فدخل سابور فقتل ساطرون، واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها، فبينا هي نائمة على فراشها ليلاً إذ جعلت تململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس، فقال لها سابور‏:‏ أهذا الذي أسهرك‏؟‏ قالت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فما كان أبوك يصنع بك‏؟‏ قالت‏:‏ كان يفرش لي الديباج، ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر‏.‏

قال‏:‏ أفكان جزاء أبيك ما صنعت به أنت إلي بذلك أسرع‏.‏ فربطت قرون رأسها بذنب فرس، ثم ركض الفرس حتى قتلها، ففيه يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة‏:‏

ألم ترَ للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم

أقام به شاهبور الجنود * حولين تضرب فيه القدم

فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم

فهل زاده ربه قوة * ومثل مجاوره لم يقم

وكان دعا قومه دعوة * هلموا إلى أمركم قد صرم

فموتوا كراما بأسيافكم * أرى الموت يجشمه من جشم

وقال عدي بن زيد في ذلك‏:‏

والحضر صابت عليه داهية * من فوقه أيد مناكبها

ربية لم توق والدها * لحينها إذا أضاع راقبها

إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها

فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها

فكان حظ العروس إذ جشر * الصبح دماء تجري سبائبها

وخرب الحضر واستبيح وقد * أحرق في خدرها مشاجبها

‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 230‏)‏

وقال عدي بن زيد أيضاً‏:‏

أيها الشامت المعير بالدهر * أأنت المبرا الموفور

أم لديك العهد الوثيق من الأيام * بل أنت جاهل مغرور

من رأيت المنون خلدن أم * من ذا عليه من أن يضام خفير

أين كسرى كسرى الملوك أنو * شروان أم أين قبله سابور

وبنو الأصفر الكرام ملوك * الروم لم يبق منهم مذكور

وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة * تجبى إليه والخابور

شاده مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور

لم يهبه ريب المنون فبان * الملك عنه فبابه مهجور

وتذكر رب الخورنق إذ * أشرف يوماً وللهدى تفكير

سره ماله وكثرة ما * يملك والبحر معرضا والسدير

فارعوى قلبه وقال وما غبطة * حي إلى الممات يصير

ثم أضحوا كأنهم ورق جف * فألوت به الصبا والدبور

قلت‏:‏ ورب الخورنق الذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين، وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذي كان قد أسرف فيه، وعتا وتمرد فيه، وأتبع نفسه هواها، ولم يراقب فيها مولاها، فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول، وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد‏.‏

وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده، فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ، فارعوى لنفسه وفكر في يومه وأمسه، وخاف من ضيق رمسه، فتاب وأناب، ونزع عما كان فيه، وترك الملك ولبس ذي الفقراء، وساح في الفلوات، وحظى بالخلوات‏.‏

وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات، وعصيان رب السموات، وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الإمام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب ‏(‏التوابين‏)‏

وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب ‏(‏الروض الأنف‏)‏ المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين‏.‏

 خبر ملوك الطوائف

وأما صاحب الحضر وهو ساطرون، فقد تقدم أنه كان مقدماً على سائر ملوك الطوائف‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 231‏)‏

وكان من زمن إسكندر بن فلبيس المقدوني اليوناني، وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل مملكته، وخرب بلاده، واستباح بيضة قومه، ونهب حواصله، ومزق شمل الفرس شذر مذر، عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل، ولا يلتئم لهم أمر، فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها، فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته، ويحفظ حصته، ويستغل محلته‏.‏

فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة، حتى كان أزدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب، فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه، ورجعت الممالك برمتها إليه، وأزال ممالك مملوك الطوائف، ولم يبق منهم تالد ولا طارف، وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم، وأشدهم، وأعظمهم، إذ كان رئيسهم ومقدمهم‏.‏

فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور، فحاصره حتى أخذه كما تقدم، والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 ذكر بني إسماعيل وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة

تقدم ذكر إسماعيل نفسه عليه السلام مع ذكر الأنبياء، وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر، فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران حيث لا أنيس به ولا حسيس، وكان إسماعيل رضيعاً، ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك، ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر، ووكاء فيه ماء‏.‏

فلما نفد ذلك، أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم وشفاء سقم، كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل، الذي رواه البخاري رحمه الله، ثم نزلت جرهم‏:‏ وهي طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة، على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه وينتفعون به، فاستأنست هاجر بهم، وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين‏.‏

يقال‏:‏ إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه، ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي، كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح، ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة، ثم فارقها وتزوج غيرها، وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 232‏)‏

وجاءته بالبنين الاثني عشر، كما تقدم ذكرهم‏:‏ وهم نابت، وقيذر، ومنشا، ومسمع، وماشي، ودما، وأذر، ويطور، ونيشى، وطيما، وقيذما، هكذا ذكره محمد بن إسحاق، وغيره، عن كتب أهل الكتاب‏.‏

وله ابنة واحدة اسمها نسمة، وهي التي زوجها من ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم، فولد منها الروم وفارس والأشبان أيضاً في أحد القولين‏.‏

ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر، وكان الرئيس بعده والقائم بالأمور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم‏:‏ نابت بن إسماعيل، وهو ابن أخت الجرهميين‏.‏

ثم تغلبت جرهم على البيت طمعاً في بني أختهم، فحكموا بمكة وما والاها عوضاً عن بني إسماعيل مدة طويلة، فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاص بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن عيبر بن نبت بن جرهم‏.‏

وجرهم بن قحطان، ويقال‏:‏ جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح الجرهمي، وكان نازلاً بأعلى مكة بقعيقعان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 233‏)‏

وكان السميدع سيد قطوراء نازلاً بقومه في أسفل مكة، وكل منهما يعشر من مر به مجتازاً إلى مكة، ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل السميدع واستوثق الأمر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت، لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتثارهم بمكة وبغيرها، وذلك لخؤلتهم له ولعظمة البيت الحرام أن يكون به بغي أو قتال‏.‏

ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث، ثم إلى عمرو بن الحارث‏.‏

ثم بغت جرهم بمكة وأكثرت فيها الفساد، وألحدوا بالمسجد الحرام، حتى ذكر أن رجلاً منهم يقال له‏:‏ إساف بن بغى، وامرأة يقال لها‏:‏ نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة، فكان منه إليها الفاحشة، فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريباً من البيت ليعتبروا بهما، فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة، كما سيأتي بيانه في موضعه‏.‏ فكانا صنمين منصوبين يقال لهما‏:‏ إساف ونائلة‏.‏

فلما أكثرت جرهم بالبغي بالبلد الحرام، تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم، وكانوا من ذرية عمرو بن عامر، الذي خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم، كما تقدم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 234‏)‏

وقيل‏:‏ إن خزاعة من بني إسماعيل، فالله أعلم‏.‏

والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا، واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين، فغلبت خزاعة وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان وأجلوهم عن البيت، فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي - وهو سيدهم - إلى غزالي الكعبة - وهما من ذهب - وحجر الركن وهو الحجر الأسود، وإلى سيوف محلاة وأشياء أخر، فدفنها في زمزم، وعلم زمزم وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن‏.‏

وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض‏:‏

وقائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر

فقلت لها والقلب مني كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر

بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالي والجدود العواثر

وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر

ونحن ولينا البيت من بعد نابت * بعز فما يحظى لدينا المكاثر

ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا * فليس لحي غيرنا ثم فاخر

ألم تنكحوا من خير شخص علمته * فأبناؤه منا ونحن الأصاهر

فإن تنثني الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالاً وفيها التشاجر

فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجري المقادر

‏(‏ج/ص‏:‏ 2/ 235‏)‏

أقول إذا نام الخلي ولم أنم * أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر

وبدلت منها أو جهالا أحبها * قبائل منها حمير ويحابر

وصرنا أحاديثاً وكنا بغبطة * بذلك عضتنا السنون الغوابر

فسحت دموع العين تبكي لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر

وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه * يظل به أمنا وفيه العصافر

وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منه فليس تغادر

قال ابن إسحاق‏:‏ وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضاً يذكر بني بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة‏:‏

يا أيها الناس سيروا إن قصاركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا

حثوا المطي وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا

كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا

قال ابن هشام‏:‏ هذا ماصح له منها‏.‏ وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها‏.‏

وذكر السهيلي لهذه الأبيات أخوة، وحكى عندها حكاية معجبة وإنشادات معربة‏.‏ قال‏:‏ وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه ‏(‏فضائل مكة‏)‏ على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض‏:‏

قد مال دهر علينا ثم أهلكنا * بالبغي فينا وبز الناس ناسونا

واستخبروا في صنيع الناس قبلكم * كما استبان طريق عنده الهونا

كنا زمانا ملوك الناس قبلكم * بمسكن في حرام الله مسكونا